كيف أصبحت المرأة التونسية نموذجاً للتمكين في العالم العربي؟

 تُعتبر التجربة التونسية في مجال حقوق المرأة وتمكينها واحدة من أكثر التجارب تميزاً وفرادة في العالم العربي والشرق الأوسط. لم يكن هذا التقدير وليد المصادفة أو نتاج موجات حديثة، بل هو ثمرة مسار تاريخي طويل تضافرت فيه الإرادة السياسية مع الوعي المجتمعي والنخب الفكرية، ليصنع نموذجاً استثنائياً جعل من "المرأة التونسية" رمزاً للقوة والاستقلالية والشراكة الفاعلة في بناء الدولة الوطنية.


الروافد التاريخية لتقدير المرأة في المخيال التونسي

يمتد جِذرُ احترام المرأة في تونس إلى أعماق التاريخ، بدءاً من أسطورة تأسيس قرطاج على يد الملكة "عليسة" (ديدون)، مروراً بالأدوار القيادية التي لعبتها النساء في العهود الإسلامية والوسيطة، مثل "السيدة المنوبية" بديناميكيتها الاجتماعية والروحية، وصولاً إلى الفترات الحديثة.

في بدايات القرن العشرين، شهدت تونس نهضة فكرية قادها مصلحون تنويريون، كان في مقدمتهم الشيخ الطاهر الحداد الذي أصدر كتابه المرجعي "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" عام 1930. طائب الحداد بدعوة جريئة لإصلاح وضع المرأة، متكئاً على فهم مقاصدي للإسلام، ومؤكداً أن النهوض بالمجتمع التونسي لا يمكن أن يتحقق إلا بفك أغلال العزلة والجهل عن نصفه الآخر.

مجلة الأحوال الشخصية: الثورة التشريعية الفاصلة

شكل يوم 13 أوت (أغسطس) 1956 محطة فارقة ليس في تاريخ تونس فحسب، بل في المنطقة بأسرها، حين أعلن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة عن إصدار "مجلة الأحوال الشخصية". جاءت هذه المجلة بعد أشهر قليلة من استقلال البلاد، لتضع اللبنة الأولى لبناء دولة حديثة تقوم على المواطنة والكرامة.

تضمنت المجلة حزمة من القرارات الجريئة والأولى من نوعها عربياً:

  • إلغاء الطلاق الشفوي: جعل الطلاق حصراً بيد القضاء لضمان حقوق الطرفين والأطفال، وحماية المرأة من قرارات التعسف.

  • تحديد السن الأدنى للزواج: رفع السن القانونية للزواج لمنع زواج القاصرات وضمان مكتمل أهلية المرأة.

  • إقرار المبدأ القانوني للتراضي: اشتراط الرضا الكامل للطرفين لإتمام عقد الزواج وتجريم الإكراه.

لم تكن هذه المجلة مجرد نصوص قانونية، بل كانت رؤية مجتمعية كاملة تهدف إلى دمج المرأة كشريك مكتمل الأهلية في بناء تونس الحديثة.

التعليم والتعليم العالي: الوقود الحقيقي للتمكين

حرصت الدولة التونسية منذ الاستقلال على جعل التعليم إجبارياً ومجانياً للجميع دون تمييز بين الجنسين. وكان هذا الاستثمار في العنصر البشري المؤشر الأكثر تأثيراً في تغيير واقع المرأة التونسية.

دخلت الفتيات المدارس والجامعات بأعداد غفيرة، وسرعان ما أثبتن جدارتهن في كافة التخصصات، بما في ذلك مجالات الطب، الهندسة، والقضاء، والعلوم الدقيقة. واليوم، تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نسبة الإناث في الجامعات التونسية تتجاوز 60% من إجمالي الطلبة، وهو ما انعكس مباشرة على النسيج الاقتصادي والمهني للبلاد.

الحضور السياسي والمدني: من المشاركة إلى القيادة

لم يقتصر تقدير المرأة التونسية على الحقوق الأسرية والتعليمية، بل امتد ليشمل الحضور الفاعل في الحقل العام والسياسي:

  • المشاركة التشريعية والتنفيذية: تبوأت المرأة التونسية مناصب وزارية سيادية، وتقلدت إدارة مؤسسات كبرى، كما دخلت البرلمان بنسب تمثيلية تعتبر الأفضل إقليمياً، بفضل قوانين المناصفة في القوائم الانتخابية.

  • العمل النقابي والجمعياتي: تُعد المرأة التونسية المحرك الأساسي لمنظمات المجتمع المدني، حيث قادت العديد من الحقوقيات والناشطات حملات صلبة للحفاظ على مكتسبات المرأة وتطويرها، مستندات إلى دستور 2014 الذي كفل حماية مكتسبات المرأة وحرص الدولة على دعمها.

  • الريادة القضائية: تُعتبر السلك القضائي التونسي مثالاً بارزاً، حيث تشكل القاضيات نسبة مرتفعة جداً من قضاة البلاد، ويتبوأن أعلى المراتب في المحاكم العليا.

التشريعات الحديثة: مناهضة العنف وتعزيز الكرامة

استمراراً لهذه المسيرة الريادية، صادق البرلمان التونسي في عام 2017 على "القانون الأساسي لمناهضة العنف ضد المرأة" (القانون رقم 58)، وهو تشريع شامل يعاقب على كافة أشكال العنف المادي، المعنوي، الاقتصادي، والجنسي ضد المرأة.

ألغى هذا القانون أحكاماً قديمة كانت تسمح للمغتصب بالفرار من العقاب في حال زواجه من الضحية، وألزم الدولة بتقديم الحماية والرعاية الصحية والنفسية والقانونية للنساء ضحايا العنف. كما شمل القانون حماية العاملات في القطاع الفلاحي وحظر التمييز في الأجور.

التحديات الراهنة وآفاق المستقبل

رغم هذه الإنجازات الاستثنائية، تظل هناك تحديات يعمل المجتمع التونسي على تجاوزها لتعزيز تقدير المرأة بشكل أعمق:

  1. الفجوة بين الأقاليم: الفوارق بين واقع المرأة في المدن الساحلية والكبرى وواقعها في المناطق الداخلية والريفية، حيث لا تزال بعض النساء يعانين من ظروف عمل شاقة وغير آمنة (خاصة العاملات في القطاع الفلاحي).

  2. التمكين الاقتصادي: زيادة نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل وتوفير التسهيلات للائدات الأعمال الشابات للوصول إلى التمويل والموارد.

  3. تغيير الثقافة الذكورية: مواصلة العمل التوعوي والتربوي للحد من الممارسات والتمثلات الاجتماعية التي قد تنتقص من قدرات المرأة في بعض الأوساط.

خاتمة

إن تقدير المرأة التونسية ليس مجرد خطابات رنانة أو شعارات موسمية، بل هو هوية وطنية وثقافة متجذرة صيغت بالقوانين، والتعليم، والنضال المستمر. لقد أثبتت التجربة التونسية أن تقدم الشعوب وازدهارها مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمدى احترامها لنسائها وتمكينهن. وتظل "المرأة التونسية" اليوم صمام أمان للمجتمع، ورمزاً للتحديث والتوازن، وقصة نجاح حقيقية تُقدم للعالم برهاناً على أن الكرامة والمسواة هما أصل البناء الحضاري.